صديق الحسيني القنوجي البخاري
180
فتح البيان في مقاصد القرآن
أنه في السماء الثانية ، رد عليهم وإثبات لما هو الصحيح ، وقد تقدم ذكر رفعه عليه السلام في آل عمران بما فيه كفاية وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً في إنجاء عيسى وتخليصه من اليهود وانتقامه منهم ورفعه إليه . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي اليهود والنصارى ، والمعنى وما منهم أحد إِلَّا واللّه لَيُؤْمِنَنَّ والضمير في بِهِ راجع إلى عيسى ، وبه قال ابن عباس وأكثر المفسرين ، وفي قَبْلَ مَوْتِهِ راجع إلى ما دل عليه الكلام وهو لفظ أحد المقدر أو الكتابي المدلول عليه بأهل الكتاب ، وقال ابن عباس : قبل موت عيسى ، وعنه أيضا قال : قبل موت اليهودي ، وفيه دليل على أنه لا يموت يهودي ولا نصراني إلا وقد آمن بالمسيح . وقيل كلا الضميرين لعيسى ، والمعنى أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن به كل كتابي في عصره ، وقيل الضمير الأول للّه وقيل إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وبه قال عكرمة وهذا القول لا وجه له لأنه لم يجر للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذكر قبل هذه الآية حتى يرجع الضمير إليه . وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير ، وبه قال جماعة من السلف وهو الظاهر لأنه تقدم ذكر عيسى فكان عود الضمير إليه أولى ، والمراد بالإيمان به حين يعاين ملك الموت فلا ينفعه إيمان . قال شهر بن حوشب : اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره ، ويقال يا عدو اللّه أتاك عيسى نبيا فكذبت به فيقول آمنت بأنه عبد اللّه ورسوله ، ويقال للنصراني أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه اللّه وابن اللّه فيقول آمنت أنه عبد اللّه ، فأهل الكتاب يؤمنون به حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان . أو عند نزوله في آخر الزمان كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة قال ابن عباس : سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث فيؤمنون به ، وعنه قال : ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى ، قيل لابن عباس أرأيت أن خرّ من فوق بيت قال : تكلم به في الهواء ، فقيل إن ضرب عنق أحدهم ، قال : يتلجلج بها لسانه ، وقد روي نحو هذا عنه من طرق ، وقال به جماعة من التابعين . وذهب كثير من التابعين فمن بعدهم إلى أن المراد قبل موت عيسى كما روي عن ابن عباس قبل هذا ، وقيّده كثير منهم بأنه يؤمن به من أدركه عند نزوله إلى الأرض حتى تصير الملة كلها إسلامية . وقال الزجاج : هذا القول بعيد لعموم قوله تعالى : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ والذين يبقون يومئذ يعني عند نزوله شرذمة قليلة منهم . وأجيب بأن المراد بهذا العموم الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به ، وصحح الطبري هذا القول ، وقد تواترت الأحاديث بنزول عيسى حسبما